______________________
(هـالـفـيـتـي)
⭐ لِـلكاتبة: نـدىٰ سـالِـم.
⭐ مَدى الرواية: رواية قصيرة.
⭐ منصةُ الرفعِ: مُدوَنةِ صحيفَة الأدبِ.
⭐ رقم الرواية المُصحّفة أدبيًا: 3
جميع الحقوق محفوظةٌ لـصحيفة الأدب، وممنوحةٌ بشرط ذِكر المصدر ©.
______________________
|1| الفصل الأول 2019/11/25
|part |1
حيٌ صغيرٌ قَابع وَسط بلدةٍ ساحليةٍ، تتمركز في إقليم الصِوِيرة، ذلك الإقليم التابع لولاية آسفِي جهة مَراكِش -العاصمة المغربية-.
إقليم عجَّ باليهود المغاربَة ذوي القلوبِ الباردةِ الثقيلة.
يهود احتلوا الإقليم يذيعون فيه فسَادًا بما لذّ و طابَ لهم باستخدام السحر، استمروا بممارسة أعمالهِم الخَفية طامعيْن فِـي بعضِ القروش التي كانت تُلقى لهم مِـن ذوي العقول الخائبة و الإيمان الضعيف.
حتى ارْتحَـلوا عَـن هذا الإقليم فِـي هِجرةٍ بلا عودةٍ.
فارتفَـعت وتِـيرة هِجرتهِـم خِـلال عـام ١٩٦٧*، قاموا ببـيع مَـنازلهم الرّاقية بهـذا الإقليم الساحليّ إلى المُـسلمين مِـمَّن سَكنوا حَـول هذا الإقليم جنـوبًا وغـربًا..
فكـان ذلِك التاجَر المُسلم ربُّ أسرةٍ صغيرةٍ مِمَّن كان لهم نـصيبٌ فِـي شِراء أحد هذه المنازل.
تاجِر وَقُور، البياضُ يُغَطي خُصلات شَعـره المعدودةِ، مُماثلًا لبَياض لحْيته -التـي تَـرَكها تنمو حتى غَطت رقبته بالكامل-، ملامِحه الطيبَة التـي كَساها مُرور الـدهر رِقةً وهشَاشةً أثبتت سِنَـه الذي انْحسر بيْن السِتين والسَبعين ربيعًا.
كان يعُول أسرةً صغيرةً بتلك الأسْماك التي يُتاجِر بها بيعًا للجوعَى من حوله.
أسرةٌ تكوَنت مِـن زوجته الهادئة، زوجةٌ كانت تَصغُره بخمسةِ أعوامٍ فقط، رُغم كِبَر سنِها واقترابهَا مِـن الشَيخُوخة، إلا أن ملامحها كانت تأسِر الناظِر فِـي بحر عينيها العَسليتين، وجهها الدائري مَـع شفتين كرزيتين على نطَاق فمٍ ضيق، نعومة طَغت على نقاء بشرتها الحلِيبية، أنفٌ حادٌ صغيرٌ نصَّف خديها الممتلئين، جمالٌ خلّاقٌ أورثتُه لابنتها الوحيدة..
(آمور)..
تلك الفتاةُ الشابةُ حبيْسة سِن السابعةِ عشْرة، شبيهةُ والدتَها شكلًا، وريثة والدها خُلقًا وطيبةً.
مُدللة والديها التقِّيَين، ابنةٌ رزقهما الله بها بعد شقاءِ أحدَ عشر عامًا مِـن انتظارها، عانا فكرةَ عدم إنجابهما لطفلٍ يُنير حياتيهما هذه المدة الطويلة، عجز أطباء ذلك الزمن عَـن مُساعدتهما.
حتى شاءَ الله، فَكانت هذه الطفلةُ بين ذراعي والدتها تبكي رضيعةً، حتى شَبَّت ونَمَت بقربهما، حبهما الشديد لها كَان طاغيًا على حياتيهما، بالرغم مِـن هذا لمْ يمنعاها مِـن مُـمارسة حياتها الطبيعية.
بالعكس..فكان دلالُهما الزَائِد لها مفتاحَ تغَيُرها وارتباطِها الوثيقِ بالعالم مِـن حولها.
أحبَّتْ آمور التواصل مَـع غيرها، استباحتْ الحديث مَـع الجنسِ الآخرِ مِـن الذكور، قَضتْ طفولتها تلهو هنا وتلعب هناك.
حتى بدأتْ فترةُ مُراهقتها، بتغيُر تفاصيل حياتها، بِدءًا مِـن جسدها الذي أصبحَ مثاليًا بشكلٍ جَعل لُعاب الجنس الآخر يَسيل عليه.
فزادتْ عيناها العسليتان جَذبًا للناظر، اتساعهُما مَـع رُموشها الكثيفة وإحاطتها لهما بالكُحل الأسودِ كان يأسِر الناظِر فِـي شهدهما.
امتلاء خدَيها وتلك الحفرة المسماة بالغمازة بأيسرهما، مَـع اكتناز شفتيها المغلفتين لفم ضيق صغير، بالإضافة لشعرها الأسود كفحم الكُوك النفِيس، يسقطُ ناعمًا على طُول ظهرها المستقيم وحتى نهايته، مع غُرَة تُغطي جبينها تزيد إطلالتها جَمالًا، هذه التفاصيل الدقيقة خلقت أُنثى كاملةَ المظهر جميلة..
كانت آمور بِسَنتها الأخيرة بالثانوية، ثانوية النَورسِ التأهيليةِ بالقُرب من منزلها.
لمْ تكُن تلك الفتاة الذّكية، مَـن تمتلك عقلًا سريعًا بالتفكير وحَل أسئلة المواد الدراسية، ولكنها لمْ تكُن ضعيفة التفكير أيضًا.
كانت تشغلُ تفكيرها بمَـن حولَها، الموضةُ والأزياء، المجوهراتُ والأحذية، المظهر الخارجي وتصفيفاتُ الشعر المختلفة، وكانت نقطة سيئة في صالح والديها أن تركاها هكذا بدون تنبيه لثيابها التي بدأ طولها واحتشامها يقل يومًا بعد يومٍ..
بصباح يومٍ دراسي ممل -بالنسبة لها-، خرجتْ مِـن منزلها ذي الطابقين والباحة الأمامية الواسعة، إفطارٌ سريع مع توديع والديها، تحمل حقيبتها المدرسية وتسير بغنجٍ، تقدِم قدمًا في كل خطوةٍ كقطةٍ متهاديةٍ.
وهذا ما جعل النار تشتعل بفحم عيني جارتها، تلك السمينة صاحبة العينين الحادتين والشعرِ الغجري الأسود، الواقفة بشرفة الطابق العلوي من منزلها، والذي لا يبعدُ سوى مترًا واحدًا عن منزل آمور.
"أُماه..هل ستقفين طويلًا لمطالعة تلك المغرورة؟ سمعتُ أنّ شابًا جديدًا تقدم لخطبتها بالأمس ورفضه عمي والدها كما العادة، لماذا يتقدم الكثيرون لخطبتها؟ هي حتى ليست بالفتاة الجميلة، كم أكرهها!"
الحقد كان يلمعُ ببؤبؤي عيني تلك الفتاة القصيرة، شبيهة والدتها جارة آمور، نفس حدة العينين، ونفس قصر القامة، ونفس الشعر الأسود الغجري القصير، ولكن مع اختلاف في الوزن، فالابنة كانتْ نحيفةً جدًا مقارنةً بوالدتها السمينة.
فلمْ يكُن من والدتها سوى أن لوَت ثغرها الواسع بطريقةٍ غريبة، لتدخل من الشرفة تتَمتم بكُرْهٍ واضحٍ:
"ربما هذه الساحرة المدعوة آمور قامت بعمل سحر ما لتوقع هؤلاء الشباب في سحرها،
أكاد أجُنُ وأنا أراها تسيرُ متهادية كراقصة تُتقن الإغواء.."
"سِحر! أتعتقدينَ أنها فعلتْ هذا حقًا أُماه!"
تساءلت الابنةُ مضيقةً عينيها السوداوين، أتقنت لَويَ شفتيها بانزعاجٍ بنفس طريقة والدتها، فما كان مِـن الأم سِوى أن توسَدت منتصف الفراش الوحيدِ بهذه الغرفةِ الواسعة، أخفضتْ عَينيها تُطالع الأرضَ بتفكيرٍ، أطلقتْ العنان لشيطانها ليتحكم بها، فرفعتْ رأسها بشكلٍ مفاجئ لتُطالع ابنتها -الواقفةِ أمامها- بابتسامةٍ أظهرت تعكُر قلبها لتتمتم بخبثٍ:
"ولِمَ لا! هذه الفكرة هي الأقرب لقدرة هذه الحمقاء على جذب الشباب، لنْ يضُر مُمارسة بعضِ ألاعيبها، غدًا صباحًا سنذهبُ لذلك الساحر اليهوديّ بشمال البلدة، والآن اذهبي لمدرستكِ.."
كانت آمور قد وصلت للمدرسة، مارستْ يومها الدراسيّ بشكلٍ اعتيادي، لمْ يخلُ بالطبع مِـن بعض المُضايقات مِـن الشباب.
مَـن يتغزل فِيها، مَـن يُؤْسر فِـي شهْد عينيها، وكعادتها لمْ تلقي لأحدهم بالًا حتى.
خرجت مِـن المدرسة تسيرُ مَـع صديقةٍ لها تتحدثان، حتى توقفتْ عيناها على ذلكَ الطويلِ نحيفِ الجسد أخضرَ العينين الذي وقفَ يُطالعها بهدوءٍ اعتادته منه، وجدتْ نفسها تشردُ فِـي النظر له، حتى نبهتها صديقتها لذلك؛ فابتلعت لُعابها ببطءٍ وأكملتْ الطريق بابتسامة نَمت تلقائيًا على ثغْـرها الصغير..
إنهُ سَامِر، زميلها بالمدرسة، بنفس سِنها ولكن بصفٍ آخر، اعتادتْ على نظراتِه الهادئةِ لها بعد كل يوم دراسيّ، اعتادتْ على سيره خلفها بهدوءٍ سوَاء كانت بمفردها أم مع إحدى صديقاتها؛ حتى يتأكد أنها دخلت منزلها فيعود مِـن حيث أتى.
اعتادتْ على فِكرة إعجابها بِـه، اعتادتْ على تلك الابتسامة التي تنير وجهها حال رؤيته.
كان كالعادةِ السيئة فِـي حياتها، كَنَتْ لَـه المشاعر، ولكنها لمْ تجرُؤ على إلقاءِ التحية عليه حتى.
هذا الوضع مستمرٌ مُنذ سبعة شهور، وبدأ هذا الأمر يُثير رَيبَتها قليلًا..
"هل تظُنينَ أنّـه مجنون؟"
أفاقتْ من سيل أفكارها على سؤال صديقتها، كانتا قَد ابتعدتا عَـن المدرسة كثيرًا، ولا زال هذا الغريبُ يُلاحقهما، فأخفضت رأسها للأرض، وداعبت شعرها الكثيف فِـي حركةٍ خَجِلة منها لتُجيب بخفوتٍ:
"لا أعلم، يلاحقني للبيت هكذا منذ سبعة شهور، ولكن لمْ يُفكر حتى بالحديث معي، أمرهُ مُريب.."
- "رُبما يكونُ أحد مُعجبينكِ، ولكن يبدو أنه وصل لحد الهوس.."
.....
-'هُـمْ لا يُحبُون الحديـث.
يرتـاحُـون بمُراقبة سـلامة مَـن يهْوُوهُم بِصمتٍ.'
*١٩٦٧: عامُ جلاءِ اليهودِ عن إقليم آسفي المغربي.
تُـتـبَـع.......
__________________________________
⭐ لِـلكاتبة: نـدىٰ سـالِـم.
⭐ مَدى الرواية: رواية قصيرة.
⭐ منصةُ الرفعِ: مُدوَنةِ صحيفَة الأدبِ.
⭐ رقم الرواية المُصحّفة أدبيًا: 3
جميع الحقوق محفوظةٌ لـصحيفة الأدب، وممنوحةٌ بشرط ذِكر المصدر ©.
______________________
|٠|بِـداية.
"أرَاه بِكُــلِ مــكَـانٍ حَـولِــي..
أرَاه فِـي ظـلام اللــيْـلِ،
أرَاه فِـي خُـسُـوف الـقـمـرِ ليـلًا،
و فِـي كُـسُـوف الـشـمسِ نهـارًا،
أسـمَـعُ صـوتَـه فِـي عِـواء الذئـبِ،
أسـمَـعُ صـوتَـه فِـي حَـفِـيـف الأشـجـارِ عِـنـد تَـلاطُـم الريـاحِ العـاصِـفة بِـها ليـلًا،
أشـعُـر بـأنـفـاسِـه الثـقِـيلةِ البـاردةِ تسـتَبيـحُ جـلدَ رقبـتِـي،
أشـعُـر بـذراعَـيـه تُـطَوِقـان خَـصْـري يَـشُـدُنـي إليـه؛ يُـريـد دفنـي بَـيـن أَضْـلُعـه الـدُخَـانيـة..
ويـْلَـتـاهُ
لقـد سَـرقَـني روحـًا لا جَـسـدًا.."
...
كُـنـتُ أرَاهـا فِـي أحـلامِي.
وردةٌ سـوداءُ مـعتِـمة كعينـيه.
رائِحـتها عـدِيمَـةٌ كرائِحـته.
أسـمـاهَـا هَـالـفِـيـتِـي.
و نــادانِـي عـاويًا:
"آمُــور..لا مَـفَـر مِـني"
___________
|1| الفصل الأول 2019/11/25
|part |1
حيٌ صغيرٌ قَابع وَسط بلدةٍ ساحليةٍ، تتمركز في إقليم الصِوِيرة، ذلك الإقليم التابع لولاية آسفِي جهة مَراكِش -العاصمة المغربية-.
إقليم عجَّ باليهود المغاربَة ذوي القلوبِ الباردةِ الثقيلة.
يهود احتلوا الإقليم يذيعون فيه فسَادًا بما لذّ و طابَ لهم باستخدام السحر، استمروا بممارسة أعمالهِم الخَفية طامعيْن فِـي بعضِ القروش التي كانت تُلقى لهم مِـن ذوي العقول الخائبة و الإيمان الضعيف.
حتى ارْتحَـلوا عَـن هذا الإقليم فِـي هِجرةٍ بلا عودةٍ.
فارتفَـعت وتِـيرة هِجرتهِـم خِـلال عـام ١٩٦٧*، قاموا ببـيع مَـنازلهم الرّاقية بهـذا الإقليم الساحليّ إلى المُـسلمين مِـمَّن سَكنوا حَـول هذا الإقليم جنـوبًا وغـربًا..
فكـان ذلِك التاجَر المُسلم ربُّ أسرةٍ صغيرةٍ مِمَّن كان لهم نـصيبٌ فِـي شِراء أحد هذه المنازل.
تاجِر وَقُور، البياضُ يُغَطي خُصلات شَعـره المعدودةِ، مُماثلًا لبَياض لحْيته -التـي تَـرَكها تنمو حتى غَطت رقبته بالكامل-، ملامِحه الطيبَة التـي كَساها مُرور الـدهر رِقةً وهشَاشةً أثبتت سِنَـه الذي انْحسر بيْن السِتين والسَبعين ربيعًا.
كان يعُول أسرةً صغيرةً بتلك الأسْماك التي يُتاجِر بها بيعًا للجوعَى من حوله.
أسرةٌ تكوَنت مِـن زوجته الهادئة، زوجةٌ كانت تَصغُره بخمسةِ أعوامٍ فقط، رُغم كِبَر سنِها واقترابهَا مِـن الشَيخُوخة، إلا أن ملامحها كانت تأسِر الناظِر فِـي بحر عينيها العَسليتين، وجهها الدائري مَـع شفتين كرزيتين على نطَاق فمٍ ضيق، نعومة طَغت على نقاء بشرتها الحلِيبية، أنفٌ حادٌ صغيرٌ نصَّف خديها الممتلئين، جمالٌ خلّاقٌ أورثتُه لابنتها الوحيدة..
(آمور)..
تلك الفتاةُ الشابةُ حبيْسة سِن السابعةِ عشْرة، شبيهةُ والدتَها شكلًا، وريثة والدها خُلقًا وطيبةً.
مُدللة والديها التقِّيَين، ابنةٌ رزقهما الله بها بعد شقاءِ أحدَ عشر عامًا مِـن انتظارها، عانا فكرةَ عدم إنجابهما لطفلٍ يُنير حياتيهما هذه المدة الطويلة، عجز أطباء ذلك الزمن عَـن مُساعدتهما.
حتى شاءَ الله، فَكانت هذه الطفلةُ بين ذراعي والدتها تبكي رضيعةً، حتى شَبَّت ونَمَت بقربهما، حبهما الشديد لها كَان طاغيًا على حياتيهما، بالرغم مِـن هذا لمْ يمنعاها مِـن مُـمارسة حياتها الطبيعية.
بالعكس..فكان دلالُهما الزَائِد لها مفتاحَ تغَيُرها وارتباطِها الوثيقِ بالعالم مِـن حولها.
أحبَّتْ آمور التواصل مَـع غيرها، استباحتْ الحديث مَـع الجنسِ الآخرِ مِـن الذكور، قَضتْ طفولتها تلهو هنا وتلعب هناك.
حتى بدأتْ فترةُ مُراهقتها، بتغيُر تفاصيل حياتها، بِدءًا مِـن جسدها الذي أصبحَ مثاليًا بشكلٍ جَعل لُعاب الجنس الآخر يَسيل عليه.
فزادتْ عيناها العسليتان جَذبًا للناظر، اتساعهُما مَـع رُموشها الكثيفة وإحاطتها لهما بالكُحل الأسودِ كان يأسِر الناظِر فِـي شهدهما.
امتلاء خدَيها وتلك الحفرة المسماة بالغمازة بأيسرهما، مَـع اكتناز شفتيها المغلفتين لفم ضيق صغير، بالإضافة لشعرها الأسود كفحم الكُوك النفِيس، يسقطُ ناعمًا على طُول ظهرها المستقيم وحتى نهايته، مع غُرَة تُغطي جبينها تزيد إطلالتها جَمالًا، هذه التفاصيل الدقيقة خلقت أُنثى كاملةَ المظهر جميلة..
كانت آمور بِسَنتها الأخيرة بالثانوية، ثانوية النَورسِ التأهيليةِ بالقُرب من منزلها.
لمْ تكُن تلك الفتاة الذّكية، مَـن تمتلك عقلًا سريعًا بالتفكير وحَل أسئلة المواد الدراسية، ولكنها لمْ تكُن ضعيفة التفكير أيضًا.
كانت تشغلُ تفكيرها بمَـن حولَها، الموضةُ والأزياء، المجوهراتُ والأحذية، المظهر الخارجي وتصفيفاتُ الشعر المختلفة، وكانت نقطة سيئة في صالح والديها أن تركاها هكذا بدون تنبيه لثيابها التي بدأ طولها واحتشامها يقل يومًا بعد يومٍ..
بصباح يومٍ دراسي ممل -بالنسبة لها-، خرجتْ مِـن منزلها ذي الطابقين والباحة الأمامية الواسعة، إفطارٌ سريع مع توديع والديها، تحمل حقيبتها المدرسية وتسير بغنجٍ، تقدِم قدمًا في كل خطوةٍ كقطةٍ متهاديةٍ.
وهذا ما جعل النار تشتعل بفحم عيني جارتها، تلك السمينة صاحبة العينين الحادتين والشعرِ الغجري الأسود، الواقفة بشرفة الطابق العلوي من منزلها، والذي لا يبعدُ سوى مترًا واحدًا عن منزل آمور.
"أُماه..هل ستقفين طويلًا لمطالعة تلك المغرورة؟ سمعتُ أنّ شابًا جديدًا تقدم لخطبتها بالأمس ورفضه عمي والدها كما العادة، لماذا يتقدم الكثيرون لخطبتها؟ هي حتى ليست بالفتاة الجميلة، كم أكرهها!"
الحقد كان يلمعُ ببؤبؤي عيني تلك الفتاة القصيرة، شبيهة والدتها جارة آمور، نفس حدة العينين، ونفس قصر القامة، ونفس الشعر الأسود الغجري القصير، ولكن مع اختلاف في الوزن، فالابنة كانتْ نحيفةً جدًا مقارنةً بوالدتها السمينة.
فلمْ يكُن من والدتها سوى أن لوَت ثغرها الواسع بطريقةٍ غريبة، لتدخل من الشرفة تتَمتم بكُرْهٍ واضحٍ:
"ربما هذه الساحرة المدعوة آمور قامت بعمل سحر ما لتوقع هؤلاء الشباب في سحرها،
أكاد أجُنُ وأنا أراها تسيرُ متهادية كراقصة تُتقن الإغواء.."
"سِحر! أتعتقدينَ أنها فعلتْ هذا حقًا أُماه!"
تساءلت الابنةُ مضيقةً عينيها السوداوين، أتقنت لَويَ شفتيها بانزعاجٍ بنفس طريقة والدتها، فما كان مِـن الأم سِوى أن توسَدت منتصف الفراش الوحيدِ بهذه الغرفةِ الواسعة، أخفضتْ عَينيها تُطالع الأرضَ بتفكيرٍ، أطلقتْ العنان لشيطانها ليتحكم بها، فرفعتْ رأسها بشكلٍ مفاجئ لتُطالع ابنتها -الواقفةِ أمامها- بابتسامةٍ أظهرت تعكُر قلبها لتتمتم بخبثٍ:
"ولِمَ لا! هذه الفكرة هي الأقرب لقدرة هذه الحمقاء على جذب الشباب، لنْ يضُر مُمارسة بعضِ ألاعيبها، غدًا صباحًا سنذهبُ لذلك الساحر اليهوديّ بشمال البلدة، والآن اذهبي لمدرستكِ.."
كانت آمور قد وصلت للمدرسة، مارستْ يومها الدراسيّ بشكلٍ اعتيادي، لمْ يخلُ بالطبع مِـن بعض المُضايقات مِـن الشباب.
مَـن يتغزل فِيها، مَـن يُؤْسر فِـي شهْد عينيها، وكعادتها لمْ تلقي لأحدهم بالًا حتى.
خرجت مِـن المدرسة تسيرُ مَـع صديقةٍ لها تتحدثان، حتى توقفتْ عيناها على ذلكَ الطويلِ نحيفِ الجسد أخضرَ العينين الذي وقفَ يُطالعها بهدوءٍ اعتادته منه، وجدتْ نفسها تشردُ فِـي النظر له، حتى نبهتها صديقتها لذلك؛ فابتلعت لُعابها ببطءٍ وأكملتْ الطريق بابتسامة نَمت تلقائيًا على ثغْـرها الصغير..
إنهُ سَامِر، زميلها بالمدرسة، بنفس سِنها ولكن بصفٍ آخر، اعتادتْ على نظراتِه الهادئةِ لها بعد كل يوم دراسيّ، اعتادتْ على سيره خلفها بهدوءٍ سوَاء كانت بمفردها أم مع إحدى صديقاتها؛ حتى يتأكد أنها دخلت منزلها فيعود مِـن حيث أتى.
اعتادتْ على فِكرة إعجابها بِـه، اعتادتْ على تلك الابتسامة التي تنير وجهها حال رؤيته.
كان كالعادةِ السيئة فِـي حياتها، كَنَتْ لَـه المشاعر، ولكنها لمْ تجرُؤ على إلقاءِ التحية عليه حتى.
هذا الوضع مستمرٌ مُنذ سبعة شهور، وبدأ هذا الأمر يُثير رَيبَتها قليلًا..
"هل تظُنينَ أنّـه مجنون؟"
أفاقتْ من سيل أفكارها على سؤال صديقتها، كانتا قَد ابتعدتا عَـن المدرسة كثيرًا، ولا زال هذا الغريبُ يُلاحقهما، فأخفضت رأسها للأرض، وداعبت شعرها الكثيف فِـي حركةٍ خَجِلة منها لتُجيب بخفوتٍ:
"لا أعلم، يلاحقني للبيت هكذا منذ سبعة شهور، ولكن لمْ يُفكر حتى بالحديث معي، أمرهُ مُريب.."
- "رُبما يكونُ أحد مُعجبينكِ، ولكن يبدو أنه وصل لحد الهوس.."
.....
-'هُـمْ لا يُحبُون الحديـث.
يرتـاحُـون بمُراقبة سـلامة مَـن يهْوُوهُم بِصمتٍ.'
*١٩٦٧: عامُ جلاءِ اليهودِ عن إقليم آسفي المغربي.
تُـتـبَـع.......
|2| الفصل الثاني 2019/12/8
|part |2
|part |2
- "ربما يكون أحد معجبينكِ، ولكن يبدو أنه وصل لحد الهوس.."
جملةٌ خرجت من فم صديقتها بنبرةٍ خبيثةٍ؛ جعلت الشك يؤرق نفسها، اكتفت برمق صديقتها بنظرةٍ متأففةٍ، وأكملتا الطريق حتى وصلت كل منهما لمنزلها.
وكالعادة لم يتركها هذا الشاب سوى بعد تأكده من دخولها للمنزل، فأمضت بقية يومها بشكلٍ روتيني، من تناول الطعام، الحديث مع والديها بشتى الأمور، درست قليلًا، ثم خلدت للنوم، لتستيقظ على صباحٍ مدرسيٍ جديدٍ.
صباحٌ مختلفٌ بالنسبة لجارتها السمينة، والتي أخذت بيد ابنتها واتجهتا مباشرةً سيرًا لشمال البلدة، حيث ذلك الشاطئ ناعم الرمال المطل على ساحل البحر المتوسط.
كوخٌ متوسط الحجم بارتفاع مخروطٍ لثلاثة أمتارٍ، بعرض مستطيلٍ لأربعة أمتارٍ، قريب جدًا من شاطئ البحر، فإذا كان المد قويًا بليلةٍ قمريةٍ قد تلامس الأمواج الكوخ، مبني من الخشب الجاف لشجر الزان المتين، مغلفٌ بأعواد القش الصفراء، مزودٌ بمدخلٍ أمامي بطول مترين، ونافذةٍ ضيقةٍ تكاد تناسب رأس إنسانٍ جهة اليمين.
ما كان يثير الريبة والرعب في هذا الكوخ البسيط هو تلك الجماجم البشرية المزَينَة لجوانبه الأربعة، جماجمٌ حقيقيةٌ لأناس تشبعوا موتًا، مع بعض الأدوات الخاصة بالسحر من عيونٍ ماسونيةٍ، وريش الطاووس، معلقةٌ بسلاسل حديديةٍ تزين الجانب الأمامي له.
المظهر الخارجي فقط أثار الرعب في نفس الجارة وابنتها حينما وصلتا، فتمسكت الابنة بذراع والدتها تغرس أظافرها الطويلة به، لتهمس مبتلعةً غصةً سدت حلقها:
"أأ..أماه! دعينا نرحل من هنا؛ لستُ مطمئنة لهذا الرجل!"
"لا تكوني جبانة، لن يفعل لنا شيئًا طالما جئناه بما يحب من الأموال.."
تحدثت الجارة حاثةً ابنتها على المُضى قُدمًا، على الرغم من التوتر الذي بدأ ينهش بلحمها، لم تكن سوى دقيقةً وكانت الجارة وابنتها بداخل ذلك الكوخ، كان الباب مفتوحًا؛ فكان من السهل عليهما دخول هذا المكان المظلم داخليًا.
عدساتهما تجولتا على المكان بالداخل رغم الظلام المغلف للمكان، ولكن تلك الهالة القوية المنبعثة من داخله أثارت خيفتيهما.
"ماذا تفعلان هنا؟"
سؤالٌ بسيطٌ خرج من حلقٍ خشنٍ، بنبرةٍ ارتجفت كلتاهما فور سماعها، التفتتا لمصدر الصوت وسيقانهما تتراقص كالهلام، لتطالع عدساتهما ذلك الرجل -خبيث النظرات والابتسامة- خلفهما، فاستمرت الابنة بابتلاع لعابها عدة مراتٍ وهي تطالع مظهره الطبيعي كإنسانٍ مناسبٍ لزمنهم، ولكن هذا أثار التوتر بداخلها أكثر، بينما جاهدت الجارة لاستعادة رباطة جأشها، لتنظر له بسوادويها متمتمةً بتوترٍ جعل الكلمات تخرج متلعثمةً من فمها:
"ههـ..هل أنت الساحر!"
ابتسم الآخر بغموضٍ، وبابتسامته دب الرعب بأوصالهما، رفع يده ليلتقط مصباحًا زيتيًا كان مستقرًا على طاولةٍ صغيرةٍ بجانبه، ضغط على شيء بالمصباح لتندلع النار بشريطته مضيئةً البقعة المستقرين عليها، مر بجانب المرتجفتين متجهًا لبقعةٍ بمؤخرة الكوخ، فجلس على أريكةٍ جلديةٍ غير واضحة اللون تحتل مؤخرة الكوخ بعرضه، وضع المصباح على طاولة خشبية متوسطة الحجم أمامه، ليتمتم بنبرته العميقة وعيناه تطالعان الجارة وابنتها بهدوءٍ مريبٍ:
"لستُ ساحرًا؛ لا أحب هذا اللقب، نادياني (نابولي).."
كانت الابنة متوترةً بكل ما للكلمة من معنى، أثار المكان بطابعه الكلاسيكي -والذي لا يناسب ساحرًا نهائيًا- ريبتها الشديدة، بينما كانت الشجاعة تتمثل في والدتها، والتي التفتت ثانيةً لتواجه الساحر، طالعت مظهره الكلاسيكي بقميصه الأبيض وسرواله القماشي الأسود بغموضٍ، تتفحص ذقنه التي بدأ الشعر ينبُت بها، وشعره الأسود الكثيف، فلولا علمها بسنه الحقيقي -والذي هو خمسة وأربعون عامًا- لظنت أنه شابٌ بريعان عمره، مظهره لا يوحي بكونه ساحرًا يمتُ للسحرة بصِلةٍ.
فتحمحمت لتنظف حلقها، وتقدمت بخطواتٍ ثابتةٍ، وعينان تراقبانه بغموضٍ، حتى وقفت أمام الطاولة وابنتها متشبثةٌ بذراعها؛ كأنها تخاف ابتعادها عنها، فتحت فمها الواسع لتخرج الكلمات هادئةً ثابتةً منه:
"لستُ هنا للتعرف عليك، أريد فقط خدمةً منك، وللاختصار..أريد معرفة ما إن كنت ساعدت فتاةً شابةً تدعى آمور في عمل سحر ما لجعل الشباب تُفتن بها!"
أرجع الساحر رأسه للخلف، فانتفضت كلتاهما لسماع ضحكاته الرجولية العميقة ليتمتم بدون النظر لهما:
"جريئةٌ سيدتي، لم أتوقع هذه الجرأة من امرأة مثلكِ، ولكن يبدو أن تلك الجميلة آمور تشعل فتيل الحقد بداخلكما..اجلسا رجاءً؛ دعاني أمنحكما كرم الضيافة.."
أشار لهما بكفه العريض تجاه أريكةٍ جلديةٍ أخرى أصغر حجمًا من الجالس عليها، فتقدمت الجارة وابنتها تتبعها كظلها، وبؤبؤاها يتحركان على امتداد البقعة المضيئة؛ تتفحص الأثاث الكلاسيكي الهادئ البسيط، فانتبهت لوالدتها التي تساءلت بجرأةٍ وعيناها تبحثان في مظهر الساحر عن أي ثغرة:
"إذًا! ما إجابتك لسؤالنا؟"
"لم أفعل شيئًا لتلك الفاتنة آمور..توقفتُ عن ممارسة السحر منذ شهرين تقريبًا"
أجابها الساحر باختصارٍ وحرك عينيه تجاه ركنٍ بجانب باب الكوخ، ليبتسم بغموضٍ، فابتلعت الجارة غصة حلقها؛ ما إن لمحت عينيه تنظران للفراغ بشكلٍ مريبٍ، حاولت السيطرة على أنفاسها التي بدأت تتشتت، وأمسكت بيد ابنتها بقوةٍ؛ تحثها على عدم الارتجاف بهذه الطريقة، لتفتح فمها موجهةً حديثها للساحر:
"أريد عمل سحر ما لهذه المدعوة آمور..لا أريدها أن تثير فتنة الشباب هكذا، يتركون ابنتي الجميلة ويلاحقان هذه العنزة القبيحة!"
قهقه الساحر نابولي برجوليةٍ بحتةٍ، رفع ساقه ليضعها على الأخرى بحركةٍ فاجأتهما، نظر للجارة ليتمتم بهدوءٍ:
"أخبرتكِ أنني توقفتُ عن فعل هذه الأشياء، اجعلي نيتكِ طاهرة تجاه تلك الفاتنة؛ وستنعم ابنتكِ بحب الآخرين مثلها.."
"ستفعلها من أجلنا هذه المرة فقط، وبعدها بإمكانك الإعلان حتى أنك لن تمارس السحر مرةً أخرى"
الثقة التي امتلأت بها جملة الجارة جعلت الساحر يبتسم بجانبيةٍ، بدت ملامحه أكثر رعبًا بينما يتساءل بصوتٍ رخيمٍ:
"وما الذي سيدفعني لفعل ذلك لكما؟"
"هذه الأموال.."
أجابته باختصارٍ وأخرجت حزمةً من النقود من جيب عباءتها السوداء المزركشة بورود ذهبيةٍ، ومدتها تجاهه، فرفع حاجبه باستمتاعٍ؛ جرأة هذه المرأة أعجبته كثيرًا، هز رأسه للجانبين بسخريةٍ احتلت تقاسيم وجهه، ثم ثبّت نظره على نفس البقعة المظلمة بجانب الباب، ليجيب بهدوءٍ موترٍ للأعصاب:
"تعلمان! سأفعل هذا، ولكن ليس من أجلكما، بل من أجله فقط، لقد اشتاقت روحه الهائمة لمثل هذه الألعاب، امنحاني دقائق معدودةً سيدتاي؛ سأذهب لأحضر بعض الأدوات.."
___
- 'هم لا يحبون الظهور.
يتلذذون بمراقبة الآخرين من الأركان المظلمة مختفيين؛
فلا تجعل عينيك تشردان بالنظر للأركان الفارغة طويلًا،
وإلا سيظنون أنك تراقبهم كما يفعلون معك.'
- بعد عام ١٩٦٧ م، تم اكتشاف أن بعض السحرة اليهود قد اختبأوا بأماكن قريبة من ساحل البحر المتوسط، ولم يرحلوا عن المغرب.
يتبع......
______________________________________
|٣| الفصل الثالث.Part |3
"تعلمان! سأفعل هذا، ولكن ليس من أجلكما، بل من أجله فقط، لقد اشتاقت روحه الهائمة لمثل هذه الألعاب، امنحاني دقائق معدودةً سيدتاي؛ سأذهب لأحضر بعض الأدوات.."
تمتم بنبرةٍ سريعةٍ، وابتسم بجانبيةٍ يتابع النظر لنفس البقعة المظلمة؛ حتى شكت الجارة أنه لربما يوجد بها أحد لا تستطيع هي رؤيته؛ فانتابتها القشعريرة السريعة ما إن آل لعقلها أنه ربما يكون أحد أعوانه من الچن، استمرت على هذه الحالة من التفكير، وابنتها بجانبها تكاد تموت هلعًا؛ فقط لمجرد تخيلها نفسها جالسةً في هذا المكان الذي تحدث الكثيرون عنه وعن بشاعة قلب ساكنه، وارتباطه بعالمٍ خفي يثير الفزع في النفوس.
حتى إذا عاد الساحر نابولي يسير بخطواتٍ متزنةٍ تكاد تهتز الأرض لها، يحمل بيده بيضةً صغيرةً لدجاجةٍ، وبيده الأخرى يحمل برطمانًا زجاجيًا صغير الحجم، استطاعت الجارة تمييز العسل الأبيض بداخله.
فوضع الساحر ما أحضره على الطاولة بمنتصف البقعة المضيئة، وجلس بمكانه على نفس الأريكة الجلدية، واضعًا كفيه على فخذيه، يطالع الأرض أسفل قدميه بهدوء مريب، حتى إذا رفع رأسه بشكلٍ مفاجئ؛ جعل الابنة تقفز عن مكانها باضطرابٍ اهتزت له والدتها أيضًا.
فأمسك ببرطمان العسل الأبيض، نظر له لدقيقةٍ بصمتٍ وكأنه يتفحصه، ثم فتح البرطمان بخفةٍ بيده العريضة، وغرس سبابته الطويلة في العسل ليرفعها تجاه فمه الضيق، أخرج لسانه الوردي ليلعق العسل عن سبابته بنظراتٍ هادئةٍ، ترك البرطمان بمكانه وأخفض رأسه يطالع الأرض بصمتٍ ثانيةً.
كان العجب يطغى على ملامح الجارة، دفعها فضولها للتحدث وسؤاله عن ماهية هذا الفعل العجيب منه، ولكنها صمتت فجأةً قبل التحدث حتى، وانعقد لسانها بداخل ثغرها، حينما سمعته بدأ يتمتم بصوته الخشن ببحةٍ قويةٍ مرعبةٍ، وكلماته رغم وضوحها بدت غريبةً لها ولابنتها المرتجفة-:
"بسم الله الرحمن الرحيم..أقسمتُ عليك يا أشيائيل وأعوانك فرعيائيل و طائيل و الرياح و ماسول و مبسول و سما و طش و على الشمس و القمر و ما حفت باسم الله و باسمه الشديد رب السماوات و الأرض و ما بينهما و ما تحت الثرى الله الأعظم قاهر الأعداء و دائم النعماء باسمك الأعظم الذي فضلته على جميع أسمائك أن تسخر لي صاحب الدعوة و صاحب الثاقوفة و النواحي الأربعة يكونون عونًا لي في قضاء حاجتي، أجيبوا يا معشر الأرواح و اقضوا حاجتي بحق من له العزة و الجبروت..."
ظل يتمتم بتلك الكلمات الغريبة -التي يحفظها- بنبرةٍ آليةٍ ينظر أمامه بهدوءٍ، ولمعةٌ مريبةٌ تنبعث من سواد عينيه المخيفتين، بينما الجارة وابنتها تستمعان له بهدوءٍ، مع اتساع أحداق أعينهما بفزعٍ مما يقوله.
حتى إذا انتهى من ترتيل هذا الطلسم -الذي استمر ترتيله لخمس دقائق، مرت كالسنين على الخائفتين بجانبه-، فرفع رأسه وجعل يطالعهما بعينين فارغتين تمامًا، تمثلهما البياض التام مع اختفاء بؤبؤيه؛ مما دفع الابنة لإطلاق صرخةٍ دوت بأركان الكوخ ووصلت لخارجه، لتغمض عينيها بسرعةٍ وجسدها بدأ في الارتجاف وكأنما النسيم يحركه، ووالدتها اكتفت بالصمت، لُجِم لسانها عن الحركة، وبدأت تُرتل بداخلها بعض الآيات القرآنية مع اهتزاز جسدها بانتظامٍ كبندول الساعة، لترتفع وتيرة تمتمتها للآيات ما إن بدأت الرياح تعصف بقوةٍ من باب الكوخ ونافذته الصغيرة على يمينهم.
بينما استمر الساحر بالنظر لمدخل الكوخ بعينين فارغتين احتلهما البياض، وتلك الابتسامة الصغيرة تنمو على ثغره تدريجيًا.
مد كفه العريض والتقط البيضة التي سبق وأحضرها، وضعها بكفه الآخر وغمس سبابته في مِحبرةٍ -كانت موجودةً سابقًا على الطاولة-، رسم حرف الألف باللغة العربية على منتصف البيضة، وأحكم قبضته عليها، لتتحرك شفتاه بتمتمةٍ مسموعةٍ قائلًا:
"أيها الملك العظيم السيد طهطائيل الرئيس الأكبر أسرع بحق هيه هيه يهون يهون يهون شكمهون شكمهون سحلو أجب و اهبط و تمثل لي بصورة حسنة ألوحا العجل..."
جعل يرتل تلك الكلمات الغريبة ثانيةً، وقبضته محكمةٌ على البيضة وابتسامته تزداد اتساعًا، حتى توقف عن التمتمة؛ حينما سمع صرخة الابنة المدوية، وشهقة والدتها التي بدأت ترتجف حرفيًا، ففك حصار البيضة في كفه وتركها للجاذبية الأرضية لتتحكم في سقوطها وانكسارها.
ثبُت نظره على ذلك الجسد البشري الذي ظهر عند مدخل الكوخ، يرتدي جلبابًا عربيًا أسود اللون، وعلى رأسه عمامةٌ كبيرةٌ حمراء اللون تغطي صلعة رأسه، كانت ملامحه مختفيةً؛ بفعل جسده الذي منع ضوء الشمس من الدخول، بدا كظلٍ كبيرٍ أثار الرجفة في بدني الجارة وابنتها.
تقدم بخطواتٍ متزنةٍ والرياح تعصف من خلفه بقوةٍ؛ وكأنها تهرب منه خوفًا، حتى إذا استقر أمام الطاولة فأصبحت ملامحه الحادة واضحة؛ بفعل ضوء المصباح الزيتي.
كان الساحر يبتسم فقط، ابتسامةٌ خبيثةٌ احتلت جانب شفتيه بعد أن عادت عيناه للونهما الطبيعي، الابنة أغلقت عينيها سريعًا؛ الرعب سيطر على جسدها تمامًا، فاضطربت نبضات قلبها، مع إفرازها الزائد للأدرينالين، تمامًا كوالدتها التي اختلفت عنها قليلًا باتزانها النفسي؛ مما منحها الشجاعة الكافية ليتحرك لسانها متسائلةً:
"ممـ..ما الذي حصل الآن؟"
"(دنهش)..رحبا بمساعدي الچني! ما فعلتُه وقلتُه كان فقط لاستحضاره، كان الأمر سهلًا؛ لأنني سبق وصرفتُ عمار المكان منذ أسبوع مضى، الحظ كان حليفكما هذه المرة، صديقي كان متفرغًا اليوم، واستجاب (أشيائيل) ملك الشمال لدعوتي وبعث لي أحد أقوى خدامه..مرحبًا بك في منزلك الجديد (دنهش)"
ربما الأمر صعبٌ على العقل البشري استيعابه؛ استيعاب وجودهما جالستين أمام چني من أقوى خدم أحد ملوك الچن السبعة، يطالعهما بعدستيه البشريتين سوداوي اللون بغموضٍ، ثغره الواسع تكونت على شفتيه البنيتين ابتسامةٌ أذابت عظامهما رعبًا، مظهره البشري وهدوؤه وترهما أكثر؛ مما جعل الابنة تزداد ارتجافًا، لتغرس أظافرها خِيفةً في ذراع والدتها متحدثةً بتقطعٍ، بكلمات بالكاد خرجت من بين شفتيها المرتعشتين:
"أأ..أماه! دد..دعينا نرحل من، دعينا نرحل من هنا أأ..أرجوكِ"
"لا تكوني جبانةً صغيرتي، لم نُكرِم ضيفنا بعد، من منهما تريدها قربانًا لسيدك الأعظم (دنهش)؟"
_________________
- 'هم لا يحبون القيام بشيء بدون مقابل،
و مقابلهم ليس هينًا.
فإن أردت الاستعانة بهم؛
جهز أحد أحبائك كقربان دموي لهم.'
- الملك أشيائيل: أحد ملوك الجن و مدبري الزمان، يعرف بملك الشمال و صاحب فصل الربيع.
- دنهش: أحد أقوى الخدم لملوك الجن، قوي جدًا أسود اللون، يحضر على هيئة شخص يلبس عمامة حمراء و يحمل في يده اليسرى صليب معقوف.
تُـتـبـع......................
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق